
و أيا كان السبب فالخبر في حد ذاته يحرك المياه الراكده منذ فترة في شأن أخبار الثورات العربية التى تعانى ألام مخاض صعب و طويل وسط انشغالنا في مصر بثورتنا الوليدة و انشغال اخواننا في الدول العربي كل في شأن بلده المضطرب
و أيا كانت النتيجة فعلى عبد الله صالح و جميع الحكام الذين سمحوا لأنفسهم أن تسال دماء الشهداء في سبيل بقائهم على كراسيهم الزائلة قد حكم عليهم التاريخ بالعار و الموت من قبل أن يتنحوا و سوف يتنحوا قريبا إن شاء الله
وقت ان علمت الخبر أعاد إلى ذاكرتى اليمن الذي كنت أعرفه في سن الرابعة .. كان أبي معارا إلى اليمن و أنا في ذلك العمر و قضت عائلتنا هناك نحو عامين كاملين ، لا تسعفنى ذاكرتى بالكثير إلا مشاهد و أشخاص بعينهم .
اليمن بلد جميل خصب و غني ، طبيعته خلابة ، تملؤه الجبال الخضراء و الصفراء ، أتذكر عندما كنا نقيم في منطقة تعز فوق جبل عال ، المطر يأتينا كل يوم بلا انقطاع محملا بقطع الثلج البيضاء النقيه ، كنا نجمعه في اناء أنا و اخوتى و نلهو به في الحديقة .
البشر .. لم أر بعدهم في حياتي من هم بطيبة و نقاء أهل اليمن ، عندما يحكي لي أبي عن المواقف و الاشخاص الذين قابلهم في اليمن أتمنى لو كان سنى أكبر عندما كنت هناك لأعاشرهم بحق لا لأن يكونوا في ذاكرتى مجرد خيالات من الطفولة.
أتذكر " أم هنيلة" جارتنا الطيبة الجميلة و أبناءها الستة لا أذكر من اسمائهم غير هنيلة ذات الوجه الجميل و الشعر شديد السواد و صالح الصغير الذي كان يملك سيارة لعبة كبيرة حجمها يشبه حجم السيارات الحقيقية ، لم يرفض يوما أن نركب معه فيها أو نشاركه اللعب بها .

أتذكر أيضا " جوهرة" الفتاة التى في سن العشرين صاحبة أطول شعر رأيته في حياتى ، كانت جوهرة عندما تزورنا تجلس على الأرض فقد كانت ترتاح للجلسة العربية التى يعتادونها هناك أكثر و كانت أمي تجلس بجوارها ، كنا نحب جوهرة جدا متعلقين بها أنا و اخى الصغير بشكل كبير ليس فقط للطفها و حلو حديثها بل لأنها كانت تسمح لنا بأن نفرد شعرها الطويل عندما تجلس هي و أمي و نلعب به نختفى وراءه كستارة تارة و نربط جزءا منه تارة و نضع به كل ما اوتينا من توك و أمشاط تارة أخرى دون ضجر أو ضيق منها .... كنا أشقياء بحق
و لكن برغم هذه الشقاوة فقد كافئنا جوهرة على تحمل لعبنا بأن أطلقنا على اسم الجامع الذي بجوار بيتنا هناك و الذي بالصدفة كان اسمه " جامع جوهرة " أضفنا اليه كلمة كي يصبح " جامع شعر جوهرة" و كلما سمعنا منه الأذان رددنا : الشيخ بيأذن في جامع شعر جوهرة :)
ليست جوهرة و لا أم هنيلة فقط من أذكرهم بل هناك امرأة أخرى كلما تذكرناها في عائلتنا همهمنا جميعا : " ترى ألازالت حية ترزق؟ أم تغمدها الله برحمته؟"
انها الحاجة " فن" ...نعم كان هذا هو اسمها اسم جميل لامرأة كانت بمنتهى الطيبة و التسامح و الكرم ، أتذكرها عندما كانت تأتى لتساعد أمى في تربيتنا ، كانت تأتى كل يوم باللبن و " الكدم" من أجل أخى الذي كان رضيعا في ذلك الوقت
و الكدم لمن لا يعرفها هي نوع من الخبز يشبه إلى حد كبير الخبز الشمسي في صعيد مصر إلا انه أصغر حجما و استدارة ، اتذكر طعمه مع " السحاوق" - أكله تشبه التبولة اللبنانية مضاف إليها الشطة و الفلفل الحار- و الدفء المنبعث من حديث هذه السيدة السبعينية العمر طيبة الكلام ، اتذكر جملتها التى تذكرنى بها أمى كثيرا عندما كانت تقول لها " هاكا خضرا زي بنتك "...فقد كانت تنعتني بالخضراء في اشارة لبشرتى الخمرية .
و ذكريات كثيرة كثيرة لا تسعها تدوينة واحدة ، كلها تعيد إلى قول الرسول صلى الله عليه و سلم عن أهل اليمن " الإيمان ها هنا" ، تعيد إلى لحظات أتمنى أن أراها مرة أخرى إن قدر الله لي و زرت اليمن الشقيق بعد أن يتحرر إن شاء الله قريبا على يد أبناءه من عهد الغفوة و الظلم.
اللهم كن معهم و انصر عبادك المؤمنين في اليمن و في سائر البلاد العربية ..

