2015-10-25

يا أبي.. كتابك الضخم لازال في موضعه



في فترة أوج التدوين عندما كنا عددا محدودا يكاد يعرف بعضه بالعدد ، كانت هناك تلك الصديقة المدونة التي لا تكتب إلا عن أبيها الراحل ، أحببته من خلال كتابتها عنه ، كنت أقول لنفسي أنه لابد رجل صالح أن تأثرت به ابنته هذا التأثر البالغ الذي يجعلها لا تكتب إلا عنه ، كنت أتابعها بالشهور لا تمل من الحديث عن أبيها و نوادر أبيها و مواقفه ، كانت تربط كل حدث في الحياة به إما 
حاضرا أو ماضي،.

و لكني بعد فترة من المتابعة كنت أتسائل بيني و بين نفسي هل هذه ميزة أم عيب؟ ألا يرى الأبناء الحياة إلا من خلال آباءهم حتى و إن كانوا عظماء فمن المفترض أن لكل حياته و طريقته  و أسلوبه المتفرد ، لا اخفى أنني كنت أحيانا كثيرة أشفق عليها من هذا الحبس الذي تجلس فيه مستمتعة و مصبرة نفسها عن فراقه بالحديث عنه و لكن حياتها تضيع في المقابل دون أن تعيش تجربتها الخاصة بها وحدها.

و مات أبي منذ ما يقرب من ثلاث سنوات ثم أدركت ما كانت هي فيه ، حقا لا يعرف الشوق إلا من يكابده.

قد كنت من قبل أنكر عليها هذا التوحد فغرقت فيه أنا ، فهأنذا لا أنام إلا في سريرك يا أبي منذ رحلت و هأنذا لا أعرف للحديث طعما إلا إذا عرجت فيه على سيرتك و هأنذا أتلمس مواضع أقدامك في كل ما أخطو.
و كأن روحك لم تكن روحا واحدة و إنما أربعين روحا، أحدهما تتجول بين عقلي و قلبي و روحي ، تملي على الأفعال و الأقول  و تغذيني بالخيارات  التي لم تكن لتبخل علي بها إن كنت معي ،  و روحا أخرى تتجول في ملكوت الله و أرواحا أخري كثيرة تزور أحبابك و تلاميذك الذين علمتهم الكثير ترشدهم و تطمئن قلوبهم ليطمئنونا.

و لكن وخزا آخر في الضمير لا يلبث يتركني حتى يعود ، فأنا لست أنت و لن أستطيع ، صحيح أن حياتك تلهمني و لكن هيهات لي أن أصل إلى جزء ضئيل من إخلاصك و  تفانيك فيما تحب ،.
فهل تشفع لي يا أبي رشفاتي من عطر ملابسك الذي لم يغادرها و التي لازالت معلقة من يومها حتى الآن أنفض عنها الغبار كلما أتاها و أتنسم  عطرها فأجده كما هو و كأنك تؤكد وجودك و تنفي غيابك المزعوم!
و هل تشفع لي كتبك الضخمة التي أصبحت أقرؤها مستعيضة بها عن كتبي البسيطة الرقيقة؟ هل يشفع لي إصراري أن أضعها بجوار السرير تماما كما كنت تفعل حتى لا أغير كثيرا في ترتيب غرفتك؟ و هل يمحو ذلك اضطراري لأن يمتلأ الكومودينو الخاص بك بتوك الشعر و سلوك شواحن الموبايل عوضا عن أقلامك الثمينة و دفاترك القيمة؟!
أعرف أن هذه الأشياء تبدو تافهة بالنسبة لك و لكنها أحيانا تقض مضجعي عندما أفكر فيك .. هل يرضيك هذا أم أنك ترى الأمر على نحو أفضل؟

أدرك أن الأمر مربك لمن يحيطون بي أو على الأقل مثير للتساؤل: متى ستخرج من هذه الحالة و تتحدث أو تكتب عن أشياء أخرى ! لكن الأمر لا يقاس بهذا الشكل ، فالتجربة الحقيقية هي انكسار القلب،  و انكسار القلب لا نشفى منه متى أردنا و لن نشفى منه أبدا و إنما تتشكل به أرواحنا من جديد فتفرز صورا أخرى منا ، ربما في عمل أو كتابة أو أي إسهام في الحياة و لكنه بطعم التجربة.. و أنا لن أتعجل هذا التشكل لروحي مادمت يا أبي هنا تطمئن روحي و تخطو بها إلى المستقبل بقلب يحمل الماضي بكل ما فيه من ثراء.
أما عن صديقتي ، فهي الآن في بلد آخر ، قد أكسبتها تجارب الحياة ثقلا في تجربتها جعلتها تواجه الموت مرات عديدة دون خوف .. ربما لو لم تكن قد واجهته في موت أبيها لما كانت بهذا الثبات الآن.

آية علم الدين